albejawi

ناس من زمن المحنّة وهداوة البال -2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ناس من زمن المحنّة وهداوة البال -2

مُساهمة من طرف admin في الأربعاء فبراير 18, 2009 1:16 am



فضل ود ام النور
1-
هل تدري يا نعسان أنا طرفي ساهر
جسمي اضمحل في غرامك وانت زاهر
هل تدري...

كل التطريب والشجن والقوة في صوته الذي ينساب في هدأة الليل والناس يتهيأون للنوم بعد صلاة العشاء
لا يهمه من يسمع ومن لا يسمع .. فهو يغني لنفسه .. وحين يأتيه النوم ..يعزف الحاناً أخرى بمنخريه.. ليس بينها وبين الطرب رابط ولا صلة..

2-
ذلكم هو ( فضل ود ام النور)..اجزم بأنه يمتلك موهبة في الغناء والتطريب لو استغلها لبز بها عمالقة الغناء في ذلك الزمان
إلا أن ( فضل) زول (خمله ساكت) كما كانت تصفه (الحاجة ست الردف) جارتهم من ناحية الشرق والتي كثيراً ما تفتعل معه المشاجرات لمجرد أن دجاجاتهم نبشت جذور اشجار الفواكه التي استزرعتها في فناء دارها.. وهو لا يعيرها التفاتاً ..وهذا مما يزيد في غيظها فتلاحقه باللعنات والشتائم ( يا سكرن يا حيران .. يا..) .. فيحدجها بنظرة بارده تجعلها تنكص على عقبيها وهي (تبرطم) ..

3-
حقيقة ( فضل) زول خملة .. يبدأ يومه بالجلوس صباحا بمقهى (زروق) يشرب جبنته وينصت بكل جوارحه الى الأغاني الصباحية التي تبثها اذاعة ام درمان..ثم يعبر الزقاق الضيق الى سوق الصاغة ويمكث فيه حتى ساعة الظهيرة .. هو ليس بصائغ وإن كان ينتمى لسوق الصاغة حيث يقوم ببعض الأعمال الشاقة كغسيل التراب وتصفيته وهي مهمة صعبة يعرفها كل من عمل بهذا السوق ولا يقوم بها إلا ( المجبور)
و تتلخص العملية في تجميع التراب من داخل المحل والذي تناثرت عليه قطع غاية في الصغر من الذهب من بقايا التصنيع ويتم تجميع التراب لتصفيته باسلوب معين غاية في التعقيد لاستخلاص القطع الصغيرة هذه ومن ثم يأخذ العامل نسبة من قيمة ما جمعه
4-
(فضل) بقامته الفارعة وجسده الضخم مؤهل لهذه المهمة وهو يفضلها على غيرها ..يقبض ما يجود به صاحب المحل دون مجادلة ... وحين يؤذن الظهر يكون (فضل) قد اشترى (اللحمة وام فتفت والفجل والبصل) ويمم شطر ( الأنادي)..لا يخرج منها إلا عند مغيب الشمس .. منتشياً.. يدندن بصوت خفيض .. وحين تكون نشوته في قمتها لا يكترث بالرد على من يحييه من أهل الحي ( الليلة فضل وازن وزنه تمام) هكذا يعلق البعض ورائحة المريسة المختلطة برائحة الفجل والبصل تفوح منه لتزكم أنوفهم....
5-
كنا ننتظر عودته المسائية بفارغ الصبر إذ أنه يمثل وسيلة الترفيه الوحيدة بالنسبة لنا بعدم توفر وسائل اخرى للترفيه لا راديو ولا تلفزيون وأصلاً كهرباء (ذاتها) مافي..

................
الزهور صاحية وانت نايم
داعبت شعرك النسايم
وايقظك صوت الحمايم....................
حين يشق صوته الرخيم سكون الليل المظلم ترقص النجوم طرباً( أو هكذا كنا نراها بعين خيالنا)... وتهدأ حركة جميع الكائنات حتى( السمبر) الذي اتخذ من (اللالوبة) الضخمة مسكنا ً .. يركن الى الهدوء وكأنه يسافر بخياله مع صوت ( فضل) الى حيث موطنه الأصلي ..وحين يتوقف فضل عن الغناء يرّف السمبر بأجنحته... فيخيل الينا أنه يصفق طربا وإعجابا

6-
في ليلة عاصفة راعدة ماطرة توفى فضل.. هكذا...دون أية مقدمات.. عاد من الأنادى... أطرب نفسه كالعادة ثم صمت.... عندما جاءت (أم النور) بالعشاء وجدته مستلقيا على ظهره وهو مبتسم ..قالت أم النور ( ظننته نائما ..حين لم يرد على ندائي وهززته تأكدت أنه قد مات.. الله يرحمه )
عانينا من خواء الليالي الى حين ...ثم انطوت ذكراه إلا من تعليقات في ليال متباعدات حين يوغل الليل ويعم السكون تتمتم عجوز وهي مستلقية على عنقريبها( والله غنا فضل كان مونّسنا..الله يرحمه)... ..حتى (الحاجة ست الردف ) كانت بين الحين والآخر تقوم بعمل كمية من اللقيمات توزعها على اطفال الحلة (صدقة) على روح (فضل)...
نواصل

_________________

admin
Admin

عدد الرسائل : 519
الموقع : http://beja.topgoo.net
الدولة : النرويج
تاريخ التسجيل : 23/11/2008

"الورقة الشخصية"
"الورقة الشخصية" :: 1

http://beja.topgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى